-->
أي تحديث للمدرسة المغربية؟؟

 في المرحلة التاريخية الحالية للمغرب، يعتمد الخطاب الرسمي مشروع المجتمع الحداثي الديمقراطي كخيار استراتيجي من أجل الدخول في دينامية الإصلاح والتغيير العميق للبنى الاجتماعية التقليدية، وذلك من أجل ربح رهانات التنمية والتقدم والانتماء التاريخي إلى الثقافة الإنسانية الكونية الجديدة والمعاصرة.
هذا ما يتردد، على الأقل، في الخطاب الرسمي، هذا الخطاب الرسمي الحداثي نجد أيضا صداه في الإصلاح الجديد للمدرسة المغربية.
فإذا كانت الحداثة، في مفهومها ومرجعيتها الغربية، تعني مما تعنيه، نفي وتجاوز للتقليد والمحافظة والسكون الذي يسم البنيات والمنظومات الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية، وذلك من حيث أنها تكريس لقيم العقلانية والعلم، وهي نزعة إنسانية شاملة تعطي للإنسان/المواطن/الفرد قيمة أخلاقية ووجودية مركزية، وهي، كذلك، تفكيك للعلاقات المجتمعية التقليدية المبنية على الشوفينية القبلية والعرقية والعائلية والفئوية...وذلك لبناء علاقات تعاقدية قوامها الضوابط والشرعية القانونية، وقيم المواطنة، و احترام حقوق الفرد والجماعات، وإحلال المؤسسات محل الولاءا ت التقليدية والسلطة المطلقة للفرد والجماعات؛ في كلمة واحدة، هي اعتماد ثقافة وقيم حقوق الإنسان والديمقراطية الشاملة؛ كما أن الحداثة هي إحلال للنسبي والتاريخي والإنساني محل المطلق والمقدس...وهي كذلك تكريس وغرس للتكنولوجيات الجديدة كنمط عيش وإنتاج...
فإلى أي حد تعمل المدرسة المغربية على إ دماج هذه الحداثة في مشروعها التربوي، وفي منظوماتها المعرفية والعلائقية والمادية، وذلك من أجل تحديث وظائفها المجتمعية؟
على مستوى الخطاب التربوي الرسمي نجد طموحا كبيرا لتحديث المدرسة العمومية المغربية، كما نجد في متن الميثاق الوطني للتربية و التكوين والكتاب الأبيض، غير أنه هناك بون شا سع بين الخطاب والواقع:
فمثلا، على مستوى مضامين الخطاب المدرسي المتضمن في البرامج والكتب الدراسية، نجد زواجا هجينا بين ثنائية التقليد والحداثة إلى حد التناقض الأنطولوجي بينهما، حيث تتجاور قيم العقل و العلم والتاريخانية و النزعة الإنسانية مع قيم المطلق والمقدس و اللا عقل أحيانا!
وعلى مستوى البنيات العلا ئقية والتنظيمية والتدبيرية، نجد أحيانا غياب روح الديمقراطية و المشاركة والعقلانية الرشيدة في التدبير والتخطيط و التنظيم، إذ غالبا ما تسود الإ رتجالية و القرارات البيروقراطية المغرقة في التراتبية، والاستفراد بالسلطة التقريرية والتنفيذية، وسيادة ثقافة الأبوية والتعليمات والولاء ات الكاريزمية، والشوفينية العائلية والزبونية السياسوية والنقابوية، والعلاقات الشخصية، واللوبيات...كل هذا رغم الخطاب
الرسمي الذي يدعو إلى قيم التحديث و الديمقراطية و والعقلة والشفافية والمساواة وتكافؤ الفرص والتشاركية واللامركزية وعدم التمركز....بل أحيانا، ورغم وجود بعض أشكال الإشراك في "تدبير" الشأن التربوي، فإن ذلك قد لا يتعدى البرتوكولات الشكلية للا جتماعات ورفع التقارير و التوصيات التي قد لا تبرح رفوف بعض المسؤولين!؟
كما نجد على مستوى البنيات التحتية، المادية والتقنية،شبه سيادة الفضاءات والبنايات وأدوات العمل التقليدية، سواء تعلق الأمر بالمرافق التربوية والخدماتية ،أوبالوسائل والوسائط التربوية والديداكتيكية، حيث لازالت أغلبية مدارسنا عبارة عن جدران جرداء وطبشورة وسبورة يتيمين! ورغم المجهودات القليلة والمحدودة التي تبدل في هذا المجال، تبقى غير كافية أمام الحاجيات الكبيرة والطموح الحقيقي لتأهيل وتحديث المدرسة المغربية.
فكيف لنا أن نلج مجتمع الحداثة والديمقراطية، ومجتمع الإعلام والمعرفة ومدرستنا لا زالت إلى حد كبير، ترزخ تحت وطأة التقليدانية، معرفيا و علائقيا وتنظيميا؟!ورغم مرور نصف العشرية المخصصة للتربية والتكوين واعتبرها تاني أولوية وطنية بعد الوحدة الترابية، فإن الكثير من الفاعلين والمهتمين يدقون ناقوس احتضار المدرسة العمومية( تدني المستوى التعليمي والقيمي، هشاشة البنيات التحتية، اضرابات متتالية، اختلالات تدبيرية، خصاص في الأ طر والبنيات والاعتمادات المالية، تقليص المناصب المالية، شبه غياب للتأطير والتكوين المستمر...فلا تحديث للمدرسة العمومية المغربية دون العمل على تاهيلها ماديا وماليا وبشريا أولا،ثم العمل الإرادي والجدي على تكريس قيم الحداثة والمواطنة ميدانيا وإجرائيا وسلوكيا. فلا يكفي ان نتبنى خطابا حداثيا لنصنع مدرسة ومجتمعا حداثيين، والخطاب حين يقفز على الواقع ويختزله بلاغة شعاراته يصاب بالكسر، فيصبح المجتمع ضحية حداثة معطوبة وشكلية ليس إلا./.

                 *محمد الصدوقي
Education et formation
كاتب المقالة
كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع تربية وتعليم Enseignement et Formation .

جديد قسم : تربية وتعليم

إرسال تعليق